فخر الدين الرازي
407
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ظلها ممدودا لا شمس هناك ولا زمهرير استوت الأزمنة واللّه تعالى يقطعها فلا تكون مقطوعة بسبب حقيقي ولا ظاهر ، فالمقطوع يتفكر الإنسان فيه ويعلم أنه مقطوع لا منقطع من غير قاطع ، وفي الجنة لا قاطع فلا تصير مقطوعة . المسألة الخامسة : قدم نفي كونها مقطوعة لما أن القطع للموجود والمنع بعد الوجود لأنها توجد أولا ثم تمنع فإن لم تكن موجودة لا تكون ممنوعة محفوظة فقال : لا تقطع فتوجد أبدا ثم إن ذلك الموجود لا يمنع من أحد وهو ظاهر غير أنا نحب أن لا نترك شيئا مما يخطر بالبال ويكون صحيحا . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 34 ] وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) وقد ذكرنا معنى الفرش ونذكر وجها آخر فيها إن شاء اللّه تعالى ، وأما المرفوعة ففيها ثلاثة أوجه أحدها : مرفوعة القدر يقال : ثوب رفيع أي عزيز مرتفع القدر والثمن ويدل عليه قوله تعالى : عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها [ الرحمن : 54 ] وثانيها : مرفوعة بعضها فوق بعض ثالثها : مرفوعة فوق السرير . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 35 إلى 38 ] إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ( 35 ) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ( 36 ) عُرُباً أَتْراباً ( 37 ) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ( 38 ) وفي الإنشاء مسائل : المسألة الأولى : الضمير في : أَنْشَأْناهُنَّ عائد إلى من ؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها : إلى حُورٌ عِينٌ [ الواقعة : 22 ] وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن في قصة أخرى ثانيها : أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ [ البقرة : 187 ] ، ويقال للجارية صارت فراشا وإذا صارت فراشا رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشا ، وهو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهرا لأن وصفها بالمرفوعة ينبئ عن خلاف ذلك وثالثها : أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم في الدنيا وفي مواضع من ذكر الآخرة ، أن في الفرش حظايا تقديره وفي فرش مرفوعة حظايا منشآت وهو مثل ما ذكر في قوله تعالى : قاصِراتُ الطَّرْفِ [ الرحمن : 56 ] و مَقْصُوراتٌ [ الرحمن : 72 ] فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلا وإنما عرفهن بأوصافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن ، وقوله تعالى : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء الذي هو الابتداء ، ويحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى إحياء الإعادة ، وقوله تعالى : أَبْكاراً يدل على الثاني لأن الإنشاء لو كان بمعنى الابتداء لعلم من كونهن أبكارا من غير حاجة إلى بيان ولما كان المراد إحياء بنات آدم قال : أَبْكاراً أي نجعلهن أبكارا وإن متن ثيبات ، فإن قيل : فما الفائدة على الوجه الأول ؟ نقول : الجواب من وجهين الأول : أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كن أزواجهم بين الفائدة لأن البكر في الدنيا لا تكون عارفة بلذة الزوج فلا